فصل: تفسير الآية رقم (27):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني المشهور بـ «تفسير الألوسي»



.تفسير الآية رقم (26):

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (26)}
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وإبراهيم} نوع تفصيل لما أجمل في قوله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا} [الحديد: 25] وتكرير القسم لإظهار مزيد الاعتناء بالأمر أي وبالله لقد أرسلنا نوحًا وإبراهيم.
{وَجَعَلْنَا فِي ذُرّيَّتِهِمَا النبوة والكتاب} بأن استنبأناهم وأوحينا إليهم الكتب، وقال ابن عباس: الكتاب الخط بالقلم، وفي مصحف عبد الله والنبية مكتوبة بالياء عوض الواو {فَمِنْهُمْ} أي من الذرية؛ وقيل: أي من المرسل إليهم المدلول عليهم بذكر الإرسال والمرسلين {مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ فاسقون} خارجون عن الطريق المستقيم، ولم يقل ومنهم ضال مع أنه أظهر في المقابلة لأن ما عليه النظم الكريم أبلغ في الذم لأن الخروج عن الطريق المستقيم بعد الوصول بالتمكن منه، ومعرفته أبلغ من الضلال عنه ولإيذانه بغلبة أهل الضلال على غيرهم.

.تفسير الآية رقم (27):

{ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآَتَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (27)}
{ثُمَّ قَفَّيْنَا على ءاثارهم بِرُسُلِنَا} أي أرسلنا بعدهم رسولًا بعد رسول، وأصل التقفية جعل الشيء خلف القفا، وضمير آثارهم لنوح وإبراهيم ومن أرسلا إليهم من قومهما. وقيل: لمن عاصرهما من الرسل عليهم السلام.
واعترض بأنه لو عاصر رسول نوحًا فإما أن يرسل إلى قومه كهارون مع موسى عليهما السلام أو إلى غيرهم كلوط مع إبراهيم عليهما السلام ولا مجال للأول لمخالفته للواقع ولا إلى الثاني إذ ليس على الأرض قوم غيره، وأجيب بأن ذاك توجيه لجمع الضمير وكون لوط مع إبراهيم كاف فيه، وقيل: للذرية، وفيه أن الرسل المقفى بهم من الذرية فلو عاد الضمير عليهم لزم أنهم غيرهم أو اتحاد المقفى والمقفى به وتخصيص الذرية مرجع الضمير بالأوائل منهم خلاف الظاهر من غير قرينة تدل عليه {وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابن مَرْيَمَ} جعلناه بعده.
وحاصل المعنى أرسلنا رسولًا بعد رسول حتى انتهى الإرسال إلى عيسى عليه الصلاة والسلام {وءاتيناه} بأن أوحيناه إليه وليس هو الذي بين أيدي النصارى اليوم أعني المشتمل على قصة ولادته وقصة صلبه المفتراة؛ وقرأ الحسن {أَهْلُ الإنجيل} بفتح الهمزة، قال أبو الفتح: وهو مثال لا نظير له، قال الزمخشري: وأمره أهون من أمر البرطيل بفتح الباء والكسر أشهر وهو حجر مستطيل واستعماله في الرشوة مولد مأخوذ منه بنوع تجوز لأنه عجمي وهذا عربي وهم يتلاعبون بالعجمي ولا يلتزمون فيه أوزانهم، وزعم بعض أن لفظ الإنجيل عربي من نجلت عنى استخرجت لاستخراج الأحكام منه {وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الذين اتبعوه رَأْفَةً وَرَحْمَةً} أي خلقنا أو صيرنا ففي قلوب في موضع المفعول الثاني وأيًا مّا كان فالمراد جعلنا ذلك في قلوبهم فهم يرأف بعضهم ببعض ويرحم بعضهم بعضًا، ونظيره في شأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم {رُحَمَاء بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29] والرأفة في المشهور الرحمة لكن قال بعض الأفاضل: إنها إذا ذكرت معها يراد بالرأفة ما فيه درء الشر ورأب الصدع، وبالرحمة ما فيه جلب الخير ولذا ترى في الأغلب تقديم الرأفة على الرحمة وذلك لأن درء المفاسد أهم من جلب المصالح وقرئ رآفة على فعالة كشجاعة {وَرَهْبَانِيَّةً} منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر أي وابتدعوا رهبانية.
{ابتدعوها} فهو من باب الاشتغال، واعترض بأنه يشترط فيه كما قال ابن الشجري. وأبو حيان أن يكون الاسم السابق مختصًا يجوز وقوعه مبتدأ والمذكور نكرة لا مسوغ لها من مسوغات الابتداء، ورد بأنه على فرض تسليم هذا الشرط الاسم هنا موصوف معنى بما يؤخذ من تنوين التعظيم كما قيل في قولهم: شر أهر ذا ناب.
ومما يدل عليه من النسبة كما ستسمعه إن شاء الله تعالى أو منصوب بالعطف على ما قبل، وجملة {ابتدعوها} في موضع الصفة والكلام على حذف مضاف أي وجعلنا في قلوبهم رأفة ورحمة وحب رهبانية مبتدعة لهم، وبعضهم جعله معطوفًا على ما ذكر ولم يتعرض للحذف، وقال: الرهبانية من أفعال العباد لأنها المبالغة في العبادة بالرياضة والانقطاع عن الناس، وأصل معناها الفعلة المنسوبة إلى الرهبان وهو الخائف فعلان من رهب كخشيان من خشي، وأفعال العباد يتعلق بها جعل الله تعالى عند أهل الحق وهي في عين كونها مخلوقة له تعالى مكتسبة للعبد، والزمخشري جوز العطف المذكور وفسر الجعل بالتوفيق كأنه قيل: وفقناهم للتراحم بينهم ولابتداع الرهبانية واستحداثها بناءًا على مذهبه أن الرهبانية فعل العبد المخلوق له باختياره، وفائدة {فِى قُلُوبِ} على هذا التصوير على ما قيل، ولا يخفى ما في هذا التفسير من العدول عن الظاهر لكن الإنصاف أنه لا يحسن العطف بدون هذا التأويل أو اعتبار حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه على ما تقدم أو تفسير الرهبانية بما هو من أفعال القلوب كالخوف المفرط المقتضى للغلو في التعبد ويرتكب نوع تجوز في ابتدعوها وما بعده كأن يكون المراد ابتداع أعمالها وآثارها أو ارتكاب استخدام في الكلام بأن يعتبر للرهبانية معنيان الخوف المفرط مثلًا، ويراد في جعلنا في قلوبهم رهبانية والأعمال التعبدية الشاقة كرفض الدنيا وشهواتها من النساء وغيرهن، ويراد في {ابتدعوها} وما بعده وليس الداعي للتأويل الاعتزال بل كون الرهبانية عنى الأعمال البدنية ليست مما تجعل في القلب كالرأفة والرحمة فتأمل.
وقرئ {رهبانية} بضم الراء وهي منسوبة إلى الرهبان بالضم وهو كما قال الراغب: يكون واحدًا وجمعًا فالنسبة إليه باعتبار كونه واحدًا ومن ظن اختصاص المضموم بالجمع قال: إنه لما اختص بطائفة مخصوصة أعطى حكم العلم فنسبته إليه كما قالوا في أنصار وأنصاري أو أن النسبة إلى رهبان المفتوح وضم الراء في المنسوب من تغييرات النسب كما في دهري بضم الدال، وقوله تعالى: {ابتدعوها مَا كتبناها عَلَيْهِمْ}. جملة مستأنفة، وقوله سبحانه: {إِلاَّ ابتغاء رضوان الله} استثناء منقطع أي ما فرضناها نحن عليهم رأسًا ولكن ابتدعوها وألزموا أنفسهم بها ابتغاء رضوان الله تعالى، وقوله تعالى: {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} أي ما حافظوا عليها حق المحافظة ذم لهم من حيث إن ذلك كالنذر وهو عهد مع الله تعالى يجب رعايته لاسيما إذا قصد به رضاه عز وجل.
واستدل بذلك على أن من اعتاد تطوعًا كره له تركه، وجوز أن يكون قوله تعالى: {مَا كتبناها} إلخ صفة أخرى لرهبانية والنفي متوجه إلى قيد الفعل لا نفسه كما في الوجه الأول، وقوله سبحانه: {إِلاَّ ابتغاء} إلخ استثناء متصل من أعم العلل أي ما قضيناها عليهم بأن جعلناهم يبتدعونها لشيء من الأشياء إلا ليبتغوا بها رضوان الله تعالى ويستحقوا بها الثواب، ومن ضرورة ذلك أن يحافظوا عليها ويراعوها حق رعايتها فما رعوها كذلك والوجه الأول مروى عن قتادة.
وجماعة، وهذا مروى عن مجاهد ولا مخالفة عليه بين {ابتدعوها} و{وَمَا كتبناها عَلَيْهِمْ} إلخ حيث إن الأول يقتضي أنهم لم يؤمروا بها أصلًا والثاني يقتضي أنهم أمروا بها لابتغاء رضوان الله تعالى لما أشرنا إليه من معنى {مَا كتبناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابتغاء} إلخ، ودفع بعضهم المخالفة بأن يقال: الأمر وقع بعد ابتداعها أو يؤل ابتدعوها بأنهم أول من فعلها بعد الأمر ويؤيد ما ذكره في الدفع أولًا ما أخرجه أبو داود. وأبو يعلى. والضياء عن أنس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم فإن قومًا شددوا على أنفسهم فشدد عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات رهبانية مّا ابتدعوها ما كتبناها عليهم» يعني الآية، والظاهر أن ضمير فما رعوها لأولئك الذين ابتدعوا الرهبانية، والمراد نفي وقوع الرعاية من كلهم على أن المعنى فما رعاها كلهم بل بعضهم، وليس المراد بالموصول فيما سبق أشخاصًا بأعيانهم بل المراد به ما يعم النصارى إلى زمان الإسلام ولا يضر في ذلك أن أصل الابتداع كان من قوم مخصوصين لأن إسناده على نحو الإسناد في بنو تميم قتلوا زيدًا والقاتل بعضهم.
وقال الضحاك. وغيره: الضمير في {فَمَا رَعَوْهَا} للاخلاف الذين جاءوا بعد المبتدعين والأول أوفق بالصناعة، والمراد بالذين آمنوا في قوله تعالى: {ثُمَّ قَفَّيْنَا ءامَنُواْ مِنْهُمْ} الذين آمنوا إيمانًا صحيحًا وهو لمن أدرك وقت النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان به عليه الصلاة والسلام أي فآتينا الذين آمنوا منهم إيمانًا صحيحًا بعد رعاية رهبانيتهم {أَجْرَهُمْ} أي ما يختص بهم من الأجر وهو الأجر على ما سلف منهم والأجر على الإيمان به عليه الصلاة والسلام، وليس المراد بهم الذين بقوا على رعاية الرهبانية إلى زمان البعثة ولم يؤمنوا لأن رعايتها لغو محض وكفر بحت وإنما لها استتباع الأجر، ويجوز أن يقال: إن الذين لم يرعوا الرهبانية حق رعايتها هم الذين كذبوه عليه الصلاة والسلام، قال الزجاج: قوله تعالى: {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} على ضربين: أحدهما: أن يكونوا قصروا فيما ألزموه أنفسهم، والآخر: وهو الأجود أن يكونوا حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمنوا فكانوا تاركين لطاعة الله تعالى فما رعوا تلك الرهبانية، ودليل ذلك قوله تعالى: {ثُمَّ قَفَّيْنَا على ءاثارهم} إلخ انتهى، فحمل الذين آمنوا على من أدرك وقته عليه الصلاة والسلام منهم وآمن به صلى الله عليه وسلم والفاسقين في قوله تعالى: {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فاسقون} على الذين لم يؤمنوا به صلى الله عليه وسلم، ومقتضى حمل الذين آمنوا على ما سمعت أولًا حمله على الأعم الشامل لمن خرج عن اتباع عيسى عليه السلام من قبل وحمل الفريقين على من مضى من المراعين لحقوق الرهبانية قبل النسخ والمخلين بها إذ ذاك بالتثليث والقول بالاتحاد وقصد السمعة ونحو ذلك من غير تعرض لإيمانهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وكفرهم به مما لا يساعده المقام.
وفي الآثار ما يأباه ففي حديث طويل أخرجه جماعة منهم الحاكم وصححه. والبيهقي في شعب الإيمان من طرق عن ابن مسعود «اختلف من كان قبلنا على ثنتين وسبعين فرقة نجا منها ثلاث وهلك سائرها فرقة وازت الملوك وقاتلتهم على دين الله وعيسى ابن مريم، وفرقة لم تكن لهم طاقة وازاة الملوك فأقاموا بين ظهراني قومهم فدعوهم إلى دين الله ودين عيسى فقتلتهم الملوك ونشرتهم بالمناشر، وفرقة لم تكن لهم طاقة وازاة الملوك ولا بالمقام معهم فساحوا في الجبال وترهبوا فيها وهم الذين قال الله: {وَرَهْبَانِيَّةً ابتدعوها مَا كتبناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابتغاء رضوان الله فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَئَاتَيْنَا الذين ءامَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ} الذين آمنوا بي وصدقوني {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فاسقون} الذين حجدوا بي وكفروا بي» وهذا الخبر يؤيد ما استجوده الزجاج، ويعلم منه أيضًا سبب ابتداع الرهبانية وليس في الآية ما يدل على ذم البدعة مطلقًا، والذي تدل عليه ظاهرًا ذم عدم رعاية ما التزموه، وتفصيل الكلام في البدعة ما ذكره الإمام محيي الدين النووي في شرح صحيح مسلم. قال العلماء: البدعة خمسة أقسام واجبة ومندوبة. ومحرمة. ومكروهة. ومباحة فمن الواجبة تعلم أدلة المتكلمين للرد على الملاحدة والمبتدعين وشبه. ذلك، ومن المندوبة تصنيف كتب العلم وبناء المدارس والربط وغير ذلك، ومن المباحة التبسط في ألوان الأطعمة وغير ذلك، والحرام والمكروه ظاهران، فعلم أن قوله صلى الله عليه وسلم «كل بدعة ضلالة» من العام المخصوص.
وقال صاحب جامع الأصول: الابتداع من المخلوقين إن كان في خلاف ما أمر الله تعالى به ورسوله صلى الله عليه وسلم فهو في حيز الذم والإنكار وإن كان واقعًا تحت عموم ما ندب الله تعالى إليه وحض عليه أو رسوله صلى الله عليه وسلم فهو في حيز المدح وإن لم يكن مثاله موجودًا كنوع من الجود والسخاء وفعل المعروف، ويعضد ذلك قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في صلاة التراويح: نعمت البدعة هذه.

.تفسير الآية رقم (28):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (28)}
{خَبِيرًا يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ} استظهر أبو حيان كون الخطاب لمن آمن من أمته صلى الله عليه وسلم غير أهل الكتاب والآثار تؤيد ذلك، أخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس. وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قالا: إن أربعين من أصحاب النجاشي قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فشهدوا معه أحدًا فكانت فيهم جراحات ولم يقتل منهم أحد فلما رأوا ما بالمؤمنين من الحاجة قالوا: يا رسول الله إنا أهل ميسرة فأذن لنا نجيء بأموالنا نواسي بها المسلمين فأنزل الله تعالى فيهم: {الذى الكتاب مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا} إلى قوله سبحانه: {أُوْلَئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بما صَبَرُواْ} [القصص: 52، 54] فجعل لهم أجرين فلما نزلت هذه الآية قالوا: يا معشر المسلمين أما من آمن منا بكتابكم فله أجران ومن لم يؤمن بكتابكم فله أجر كأجوركم فأنزل الله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ} الآية أي رادًا عليهم قولهم: ومن لم يؤمن بكتابكم فله أجر كأجوركم.
وفي الكشاف إن قائل ذلك من لم يكن آمن من أهل الكتاب قالوه حين سمعوا تلك الآية يفخرون به على المسلمين، والمعنى يا أيها الذين اتصفوا بالايمان {اتقوا الله} أثبتوا على تثواه عز وجل فيما نهاكم عنه.
{وَءامِنُواْ بِرَسُولِهِ} وأثبتوا على الايمان برسوله الذي أرسله إليكم وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وفي التعبير عنه بذلك ما لا يخفى من الدلالة على جلالة قدره عليه الصلاة والسلام {يُؤْتِكُمْ} بسبب ذلك.
{كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ} قال أبو موسى الأشعري: ضعفين بلسان الحبشة، وقال غير واحد: نصيبين، والمراد إيتاؤهم أجرين كمؤمني أهل الكتاب كأنه قيل: يؤتكم ما وعد من آمن من أهل الكتاب من الأجرين لأنكم مثلهم في الايمان بالرسل المتقدمين وبخاتمهم صلى الله عليه وسلم عليهم أجمعين لاتفرقون بين أحد من رسله.
وقال الراغب: الكفل الحظ الذي فيه الكفاية كأنه تكفل بأمره، والكفلان هما المرغوب فيهما بقوله تعالى: {رَبَّنَا ءاتِنَا فِي الدنيا حَسَنَةً وَفِي الاخرة حَسَنَةً} [البقرة: 201].
{وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ} يوم القيامة وهو النور المذكور في قوله تعالى: {يسعى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وبأيمانهم} [الحديد: 12] {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} ما سلف منكم {والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي مبالغ في المغفرة والرحمة فلا بدع إذا فعل سبحانه ما فعل، وقوله تعالى: